جلال الدين السيوطي
58
الإتقان في علوم القرآن
استعارة ؛ لأن المستعار له مذكور ، وهم المنافقون ؛ وإنّما تطلق الاستعارة حيث يطوى ذكر المستعار له ، ويجعل الكلام خلوا عنه ، صالحا لأن يراد المنقول عنه والمنقول له ، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، ومن ثم ترى المفلقين السّحرة يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا . وعلّله السّكاكي « 1 » : بأنّ من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه ، و ( زيد أسد ) لا يمكن كونه حقيقة ، فلا يجوز أن يكون استعارة ، وتابعه صاحب « الإيضاح » « 2 » . قال في « عروس الأفراح » : وما قالاه ممنوع ، وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر . قال : بل لو عكس ذلك ، وقيل : لا بدّ من عدم صلاحيته لكان أقرب ، لأنّ الاستعارة مجاز لا بدّ له من قرينة ؛ فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة ، وصرفناه إلى حقيقته . وإنّما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة : إمّا لفظيّة أو معنوية ، نحو : ( زيد أسد ) ، فالإخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته . قال : والذي نختاره في نحو : ( زيد أسد ) أنه قسمان : تارة يقصد به التشبيه ، فتكون أداة التشبيه مقدّرة . وتارة يقصد به الاستعارة فلا تكون مقدّرة ، ويكون الأسد مستعملا في حقيقته ، وذكر زيد والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة قرينة صارفة إلى الاستعارة ، دالة عليها . فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه ، وإن لم تقم فنحن بين إضمار واستعارة ، والاستعارة أولى ، فيصار إليها . وممن صرّح بهذا الفرق عبد اللطيف البغدادي « 3 » في « قوانين البلاغة » . وكذا قال حازم : الفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه ، فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها ، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك ؛ لأنّ تقدير حرف التشبيه واجب فيه .
--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 419 . ( 2 ) الإيضاح ص 329 - 330 . ( 3 ) لعله الشيخ الإمام الفقيه النحوي اللغوي الطبيب ذو الفنون ، موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف الموصلي البغدادي الشافعي ، نزيل حلب . ولد ببغداد في أحد الربيعين ، سنة سبع وخمسين وخمس مائة ، من تصانيفه غريب الحديث ، والواضحة في إعراب الفاتحة ، وغيرها . انظر سير أعلام النبلاء 22 / 320 - 323 ، وشذرات الذهب 5 / 132 .